فصل: الآية رقم ‏(‏100 ‏:‏ 102‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏68 ‏:‏69‏)‏

‏{‏ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ‏.‏ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ قل يا محمد‏:‏ ‏{‏يا أهل الكتاب لستم على شيء‏}‏ أي من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من اللّه على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الإيمان بمحمد والأمر باتباعه صلى اللّه عليه وسلم والإيمان بمبعثه والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله ‏{‏وما أنزل إليكم من ربكم‏}‏‏:‏ يعني القرآن العظيم، وقوله‏:‏ ‏{‏وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً‏}‏ تقدم تفسيره، ‏{‏فلا تأس على القوم الكافرين‏}‏‏:‏ أي فلا تحزن عليهم ولا يهيبنك ذلك ‏"‏روى ابن جرير جاء رافع وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف، فقالوا‏:‏ يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا‏؟‏ قال‏:‏ بلى، ولكنكم جحدتم بما فيها، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس، قالوا‏:‏ فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق فأنزل الله ‏{‏قل يا أهل الكتاب‏}‏ الآية‏.‏‏"‏منهم، ثم قال‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا‏}‏ وهم المسلمون، ‏{‏والذين هادوا‏}‏ وهم حملة التوراة، ‏{‏والصابئون‏}‏، لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون طائفة من النصارى والمجوس، قاله مجاهد، وعنه‏:‏ من اليهود والمجوس‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى غير القبلة ويقرأون الزبور‏.‏ وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏ وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت باللّه وباليوم الآخر، وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملاً صالحاً، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقاً للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون‏.‏ وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ها هنا‏.‏

 الآية رقم ‏(‏70 ‏:‏ 71‏)‏

‏{‏ لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ‏.‏ وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ‏}‏

يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة للّه ولرسوله فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدموها على الشرائع فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون وحسبوا أن لا تكون فتنة‏}‏ أي وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقاً ولا يهتدون إليه، ثم تاب اللّه عليهم أي مما كانوا فيه، ‏{‏ثم عموا وصموا‏}‏ أي بعد ذلك، ‏{‏كثير منهم واللّه بصير بما يعملون‏}‏ أي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداءة ممن يستحق الغواية منهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏72 ‏:‏ 75‏)‏

‏{‏ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ‏.‏ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ‏.‏ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ‏.‏ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ‏}‏

يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى ممن قال منهم بأن المسيح هو اللّه، - تعالى اللّه عن قولهم وتنزه وتقدس علواً كبيراً - هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد اللّه ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال ‏{‏إني عبد اللّه‏}‏، ولم يقل إني أنا اللّه ولا ابن اللّه، بل قال‏:‏ ‏{‏إني عبد الّه آتاني الكتاب وجعلني نبياً‏}‏، وكذلك قال لهم في حلا كهولته ونبوته آمراً لهم بعبادة اللّه ربه وربهم وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا اللّه ربي وربكم إنه من يشرك باللّه‏}‏ أي فيعبد معه غيره ‏{‏فقد حرم اللّه عليه الجنة ومأواه النار‏}‏ أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ وفي الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث منادياً ينادي في الناس‏:‏ ‏(‏إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة‏)‏ وفي لفظ ‏(‏مؤمنة‏)‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما للظالمين من أنصار‏}‏ أي وماله عند اللّه ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة‏}‏ الصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك، فقيل‏:‏ المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الأبن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الإبن، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً‏.‏ قال ابن جرير وغيره‏:‏ والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافاً متبايناً، ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة‏.‏ وقال السدي وغيره‏:‏ نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع اللّه، فجعلوا اللّه ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، وهي كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّه قال سبحانك‏}‏ الآية، وهذا القول هو الأظهر، واللّه أعلم‏.‏

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما من إله إلا إله واحد‏}‏ أي ليس متعدداً بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودت، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً‏:‏ ‏{‏وإن لم ينتهوا عما يقولون‏}‏ أي من هذا الإفتراء والكذب ‏{‏ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم‏}‏ أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال‏:‏ ‏{‏أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه واللّه غفور رحيم‏}‏ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الإفتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل‏}‏ أي له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال‏:‏ ‏{‏إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وأمه صديقة‏}‏ أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ونبوة أم عيسى استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله‏:‏ ‏{‏وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه‏}‏، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن اللّه لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى‏}‏، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه الإجماع على ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كانا يأكلان الطعام‏}‏ أي يحتاجان إلى التغذية به وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏انظر كيف نبين لهم الآيات‏}‏ أي نوضحها ونظهرها، ‏{‏ثم انظر أنّى يؤفكون‏}‏ أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون‏؟‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏76 ‏:‏ 77‏)‏

‏{‏ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ‏.‏ قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ‏}‏

يقول تعالى منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبيناً له أنها لا تستحق شيئاً من الإلهية، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي يا محمد لهؤلاء العابدين غير اللّه من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ‏{‏أتعبدون من دون اللّه ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً‏}‏ أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، ‏{‏واللّه هو السميع العليم‏}‏ أي السميع لأقوال عباده العليم بكل شيء، فلمَ عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه‏؟‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق‏}‏ أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسح وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهاً من دون اللّه، وما ذاك إلا لإقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً، ‏{‏وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل‏}‏، أي وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال‏.‏

 الآية رقم ‏(‏78 ‏:‏ 81‏)‏

‏{‏ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ‏.‏ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ‏.‏ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ‏.‏ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ‏}‏

يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه عليه السلام، وعلى لسان عيسى ابن مريم بسبب عصيانهم للّه واعتداءهم على خلقه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور، وفي الفرقان، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يعملون‏}‏ أي كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوه فقال‏:‏ ‏{‏لبئس ما كانوا يفعلون‏}‏، وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، ‏{‏ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون‏}‏‏)‏ وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متكئاً فجلس فقال‏:‏ ‏(‏لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً‏)‏ وقال أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول‏:‏ ما هذا اتق اللّه ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض، ثم قال‏:‏ ‏{‏لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فاسقون‏}‏، ثم قال‏:‏ كلا واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، أو تقصرنه على الحق قصراً‏)‏

و الأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام‏.‏ عن حذيفة ابن اليمان أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن اللّه أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي‏"‏وعن عائشة قالت‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم‏)‏ ‏"‏رواه ابن ماجة‏"‏وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏)‏، رواه مسلم، وقال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب اللّه الخاصة والعامة‏)‏ ‏"‏رواه أحمد‏"‏وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها‏)‏ ‏"‏رواه أبو داود‏"‏وعن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام خطيباً فكان فيما قال‏:‏ ‏(‏ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه‏)‏، فبكى أبو سعيد، وقال‏:‏ قد واللّه رأينا أشياء فهبنا، وفي الحديث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر‏)‏ ‏"‏رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة‏"‏وعن أنس بن مالك قال‏:‏ قيل‏:‏ يا رسول اللّه متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏؟‏ قال‏:‏ ‏)‏إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم‏)‏ قلنا يا رسول اللّه وما ظهر في الأمم قبلنا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم‏)‏ قال زيد‏:‏ تفسير معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم والعلم في رذالكم‏:‏ إذا كان العلم في الفساق ‏"‏رواه ابن ماجة‏"‏وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يعني بذلك المنافقين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لبئس ما قدمت لهم أنفسهم‏}‏ يعني بذلك موالاتهم للكافرين وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقاً في قلوبهم وأسخطت اللّه عليهم سخطاً مستمراً إلى يوم معادهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أن سخط اللّه عليهم‏}‏ وفسر بذلك ما ذمهم به ثم أخبر عنهم أنهم ‏{‏في العذاب خالدون‏}‏ يعني يوم القيامة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو كانوا يؤمنون باللّه والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء‏}‏ أي لو آمنوا حق الإيمان باللّه والرسول والقرآن لما ارتكبوا في موالاة الكافرين في الباطن ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، ‏{‏ولمن كثيراً منهم فاسقون‏}‏ أي خارجون عن طاعة اللّه ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنزيله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏82 ‏:‏ 86‏)‏

‏{‏ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ‏.‏ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ‏.‏ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ‏.‏ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ‏.‏ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا، حتى أخضلوا لحاهم‏.‏ وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة، وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما‏:‏ نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا‏.‏ ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح‏:‏ هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين، وقال قتادة‏:‏ هم قوم كانوا على دين عيسى بن مريم فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها‏.‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا‏}‏ ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغمط للناس، وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غير مرة وسمّوه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة‏.‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هم بقتله‏)‏ ‏"‏رواه الحافظ ابن مردويه‏"‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى‏}‏ أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والأرفة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية‏}‏، وفي كتابهم‏:‏ من ضربك على خدك الإيمن فأدر له خدك الأيسر، وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون‏}‏ أي يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم فسيس وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب وهو العابد، مشتق من الرهبة وهي الخوف كراكب وركبان وفارس وفرسان‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ وقد يكون الرهبان واحداً وجملة، رهابين، مثل قربان وقرابين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر‏:‏

لو عاينت رهبان دير في القلل * لانحدر الرهبان يمشي ونزل

وقال ابن أبي حاتم عن جاثمة بن رئاب قال‏:‏ سمعت سلمان، وسئل عن قوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً‏}‏ فقال‏:‏ هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب، فدعوهم فيها، قال سلمان‏:‏ وقرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين‏}‏، فأقرأني‏:‏ ‏(‏ذلك بأن منهم صدّيقين ورهباناً‏)‏ فقوله‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين وهباناً وأنهم لا يستكبرون‏}‏، تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال‏:‏ ‏{‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق‏}‏ أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ‏{‏يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏ أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به، وقد روى النسائي عن عبد اللّه بن الزبير قال‏:‏ نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه قال السهيلي‏:‏ هم وفد نجران، وكانوا نصارى، فلما سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم بكوا مما عرفوا من الحق، وآمنوا، وكانوا عشرين رجلاً، وكان قدومهم عليه بمكة، وأما الذين قدموا عليه بالمدينة من النصارى من عند النجاشي فهم آخرون، وفيهم نزل صدر سورة آل عمران، منهم حارثة بن علقمة، وأخوه كرز وأسلم، ولم يسلم حارثة، ومنهم العاقب بن عبد المسيح، وفيهم نزلت‏:‏ ‏{‏فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم‏}‏‏.‏ ‏:‏‏{‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏‏.‏ عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏ أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، هم الشاهدون يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، وكانوا كرّابين يعني فلاحين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين‏}‏، هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه‏}‏ الآية، وهم الذين قال اللّه فيهم‏:‏ ‏{‏وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين‏}‏، ولهذا قال تعالى ههنا‏:‏ ‏{‏فأثابهم اللّه بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار‏}‏ أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، ‏{‏جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها‏}‏ أي ماكثين فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون، ‏{‏وذلك جزاء المحسنين‏}‏ أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الإشقياء فقال‏:‏ ‏{‏والذين كفروا وكذبوا بآياتنا‏}‏ أي جحدوا بها وخالفوها، ‏{‏أولئك أصحاب الجحيم‏}‏ أي هم أهلها والداخلون فيها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏87 ‏:‏ 88‏)‏

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ‏.‏ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك - قالوا‏:‏ نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لمن يأخذ بسنتي فليس مني‏)‏ ‏"‏رواه ابن أبي حاتم، وروى ابن مردويه نحوه‏"‏وفي الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم‏:‏ لا آكل اللحم، وقال بعضهم‏:‏ لا أتزوج النساء، وقال بعضهم‏:‏ لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وافطر، وأنام واقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏ وعن ابن عباس‏:‏ أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت عليَّ اللحم، فنزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم‏}‏ وقال سفيان الثوري عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا نساء فقلنا‏:‏ ألا نستخصي، فنهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد اللّه‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم‏}‏ الآية، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، واللّه أعلم‏.‏ وعن مسروق قال‏:‏ كنا عند عبد اللّه بن مسعود فجيء بضرع فتنحّى رجل، فقال له عبد اللّه‏:‏ أدن‏.‏ فقال‏:‏ إني حرمت أن آكله، فقال عبد اللّه‏:‏ ادن فأطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم‏}‏ الآية‏.‏

وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلاً أو ملبساً أو شيئاً ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه ولا كفارة عليه أيضاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم‏}‏، ولأن الذي حرّم اللحم على نفسه لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة؛ وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرّم مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو شيئاً من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاماً له بما التزمه كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي لم تحرم ما أحل اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك واللّه غفور رحيم‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قد فرض اللّه لكم تحلة أيمانكم‏}‏ الآية‏.‏ وكذلك ها هنا لما ذكر هذا الحكم عقبة بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، واللّه أعلم‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ أراد رجالا منهم عثمان بن مظعون وعبد اللّه بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية‏.‏ وقال ابن جرير عن عكرمة‏:‏ إن عثمان بن مظعون، وعلي بن أي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالماً مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن اللّه لا يحب المعتدين‏}‏، يقول‏:‏ لا تسيروا بغير سنّة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏إن لأنفسكم حقاً، وإن لأعينكم حقاً، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا‏)‏ فقالوا‏:‏ اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تعتدوا‏}‏ يحتمل أن يكون المراد منه‏:‏ لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتك ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكلوا واشربوا ولا تسرفوا‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏والذين إذا أنفقوا لم يسرقوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً‏}‏ فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن اللّه لا يحب المعتدين‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً‏}‏ أي في حال كونه حلالاً طيباً، ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أي في جميع أموركم واتبعوا طاعته ورضوانه واتركوا مخالفته وعصيانه ‏{‏الذي أنتم به مؤمنون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏89‏)‏

‏{‏ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ‏}

قد تقدم الكلام على  اللغو في اليمين في سوروة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا وللّه الحمد والمنة؛ وأنه قول الرجل في الكام من غير قصد لا واللّه، وبلى واللّه ‏.‏ وهذا مذهب الشافعي، وقيل‏:‏ هو في الهزل، وقيل‏:‏ في المعصية، وقيل‏:‏ على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وقيل‏:‏ في اليمين في الغضب، وقيل‏:‏ في النسيان، وقيل‏:‏ هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله‏:‏ ‏{‏لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم‏}‏ والصحيح أنه اليمين من غير قصد، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏}‏ أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين‏}‏ يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون من أهليكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي من أعدل ما تطعمون أهليكم وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة ، وقال عطاء‏:‏ من أمثل ما تطعمون أهليكم‏.‏ وقد كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتاً فيه سعة، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تعمون أهليكم‏}‏ أي من الخبز والزيت‏.‏ عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏ قال‏:‏ الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر‏.‏ ومن أفضل ما تطعمون أهليكم‏:‏ الخبز واللحم وهذا قول ابن سيرين والحسن والضحّاك واختار ابن جرير أن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏، أي في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال علي‏:‏ يغديهم ويعشيهم، وقال الحسن ومحمد بن سيرين‏:‏ يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلةً واحدة خبزاً ولحماً فإن لم يجد، فخبزاً وسمناً ولبناً، فإن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً حتى يشبعوا‏.‏ وقال آخرون‏:‏ يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما هذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك وقال أبو حنيفة‏:‏ نصف صاع بر وصاع مما عداه، لما روي عن ابن عباس قال‏:‏ كفّر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به ومن لم يجد فنصف صاع من بر؛ وقال الشافعي‏:‏ الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين ولم يتعرض للأدم، واحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكيناً من مكتل يع خمسة عشر صاعاً لكل واحد منهم، وقال أحمد‏:‏ مد من بر أو مدان من غيره والله أعلم ‏"‏رواه ابن مردويه وأخرجه ابن ماجة وفي سنده ضعف‏"‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو كسوتهم‏}‏ قال الشافعي رحمه الله‏:‏ لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك، وقال مالك وأحمد بن حنبل‏:‏ لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كل بحسبه واللّه أعلم، وقال الحسن‏:‏ ثوب ثوب، وقال الثوري‏:‏ عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أو تحرير رقبة‏}‏ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال‏:‏ تجزىء الكافرة كما تجزىء المؤمنة، وقال الشافعي وآخرون‏:‏ لا بد أن تكون مؤمنة، وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لا تحاد الموجب، وإن اختلف السبب، ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه ذكر أن عليه عتق رقبة وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أين اللّه‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ في السماء، قال‏:‏ ‏(‏من أنا‏)‏ قالت‏:‏ رسول اللّه، قال‏:‏ ‏(‏أعتقها فإنها مؤمنة‏)‏ ‏"‏رواه مسلم ومالك في الموطأ والشافعي في مسنده‏"‏الحديث بطوله، فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمنين أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أسهل، وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فيرقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر الملكف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفّر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}‏، وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا‏:‏ من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام، واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ويجزىء التفريق‏؟‏ قولان‏:‏ أحدهما لا يجب، ولهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإطلاف قوله‏:‏ ‏{‏فصيام ثلاثة أيام‏}‏ وهو صادق على المجموعة والمفرقة كما في قضاء رمضان لقوله‏:‏ ‏{‏فعدة من أيام أخر‏}‏ ونص الشافعي في موضع آخر في ‏(‏الأم‏)‏ على وجوب التتابع كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرأونها‏:‏ ‏{‏فصيام ثلاثة أيام متتابعات‏}‏ ‏"‏روى مجاهد والشعبي أنها قراءة عبد الله بن مسعود أيضاً‏"‏وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواتراً فلا أقل أن يكون خبر واحد، أو تفسيراً من الصحابة، وهو في حكم المرفوع وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك كفاة أيمانكم إذا حلفتم‏}‏ أي هذه كفارة اليمين الشرعية ‏{‏واحفظوا أيمانكم‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ لا تركوها بغير تكفير، ‏{‏كذلك يبين اللّه لكم آياته‏}‏ أي يوضحها ويفسرها ‏{‏لعلكم تشكرون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏90 ‏:‏ 93‏)‏

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ‏.‏ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ‏.‏ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ‏.‏ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ‏}‏

يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن  تعاطي الخمر والميسر وهو القمار، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال‏:‏ الشطرنج من الميسر، رواه ابن أبي حاتم، قال مجاهد وعطاء‏:‏ كل شيء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز‏.‏ وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله، وقالا‏:‏ حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان‏.‏ وقال ابن عمر وابن عباس‏:‏ الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم اللّه عن هذه الأخلاق القبيحة‏.‏ وقال مالك‏:‏ كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين‏.‏ وقال الزهري‏:‏ الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار‏.‏ وقال القاسم بن محمد‏:‏ كل ما أهلى عن ذكر اللّه وعن الصلاة فهو من الميسر، وكأن المراد بهذا هو النرد ورد الحديث به في صحيح مسلم‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه‏)‏ ‏"‏رواه مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي‏"‏وفي موطأ مالك عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من لعب النرد فقد عصى الله ورسوله‏)‏ ‏"‏ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجة‏"‏وأما الشطرنج فقد قال عبد اللّه بن عمر‏:‏ إنه شر من النرد، وتقدم عن علي أنه قال‏:‏ هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي رحمهم الله تعالى، وأما الأنصاب فقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأما الأزلام فقالوا ايضاً‏:‏ هي قداح كانوا يستقسمون بها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏رجس من عمل الشيطان‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي سخط من عمل الشيطان، وقال سعيد بن جبير‏:‏ إثم، وقال زيد بن اسلم‏:‏ أي شر من عمل الشيطان، ‏{‏فاجتنبوه‏}‏ الضمير عائد على الرجس أي اتركوه، ‏{‏لعلكم تفلحون‏}‏ وهذا ترغيب، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اللّه وعن الصلاة فهل أنتم منتهون‏}‏ وهذا تهديد وترهيب‏.‏

 ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر

قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال‏:‏ حرمت الخمر ثلاث مرات‏:‏ قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس‏}‏ إلى آخر الآية، فقال الناس ما حرما علينا، إنما قال‏:‏ ‏{‏فيهما إثم كبير ومنافع للناس‏}‏، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوماً من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل اللّه آية أغلظ منها‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون‏}‏، فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغبق، ثم أنزلت آية أغلظ منها‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون‏}‏ قالوا‏:‏ انتهينا ربنا، وقال الناس‏:‏ يا رسول اللّه ناس قتلوا في سبيل اللّه وماتوا على سرفهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله اللّه رجساً من عمل الشيطان فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا‏}‏ إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم‏)‏، وقال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ لما نزل تحريم الخمر قال‏:‏ اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية في البقرة‏:‏ ‏{‏يسالونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير‏}‏ فدعي عمر فقرئت عليه، فقال‏:‏ اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى‏}‏ فكان منادي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا قال‏:‏ حي على الصلاة نادى‏:‏ لا يقربن الصلاة سكران‏.‏ فدعي عمر فقرئت عليه، فقال‏:‏ اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏، قال عمر‏:‏ انتهينا انتهينا‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة‏:‏ العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير‏.‏ والخمر ما خامر العقل وقال البخاري عن ابن عمر قال‏:‏ نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربه ما فيها شراب العنب‏.‏

حديث آخر ‏:‏ عن عبد الرحمن بن وعلة قال‏:‏ سألت ابن عباس عن بيع الخمر‏؟‏ فقال‏:‏ كان لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يا فلان أما علمت أن اللّه حرمها‏)‏، فأقبل الرجل على غلامه، فقال‏:‏ اذهب فبعها، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يا فلان بماذا أمرته‏)‏‏؟‏ فقال‏:‏ أمرته أن يبيعها، قال‏:‏ ‏(‏إن الذي حرم شربها حرم بيعها‏)‏ فأمر بها فأفرغت في البطحاء ‏"‏رواه أحمد وأخرجه مسلم والنسائي‏"‏‏.‏

حديث آخر قال الحافظ أبو يعلى الموصلي عن تميم الداري‏:‏ أنه كان يهدي لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر في هذا أن تميماً أسلم سنة تسع من الهجرة وقد حرمت الخمر سنة ثمان كما استظهره الحافظ في الفتح فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضحك وقال‏:‏ ‏(‏إنها قد حرمت بعدك‏)‏ قال‏:‏ يا رسول اللّه فأبيعها وأنتفع بثمنها‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لعن اللّه اليهود حرمت عليهم شحوم البقر والغنم فأذابوه وباعوه واللّه حرم الخمر وثمنها‏)‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن نافع بن كيسان‏:‏ أن أبيه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه إني جئتك بشراب طيب، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يا كيسان إنها قد حرمت بعدك‏)‏، قال‏:‏ فأبيعها يا رسول اللّه‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إنها قد حرمت وحرم ثمنها‏(‏ فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم أهراقها‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن أنس قال‏:‏ كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل ابن بيضاء ونفراً من أصحابه عند أبي طلحة، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال‏:‏ أما شعرتم أن الخمر قد حرمت‏؟‏ فقالوا‏:‏ حتى ننظر، ونسأل، فقالوا‏:‏ يا أنس اسكب ما بقي في إنائك فواللّه ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر وهي خمرهم يومئذ ‏"‏رواه أحمد والشيخان عن أنَس بن مالك‏"‏وفي رواية عن أنس قال‏:‏ كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلى الفضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي قال‏:‏ اخرج فانظر، فإذا مناد ينادي‏:‏ ألا إن الخمر قد حرمت، فجريت في سكك المدينة، قال‏:‏ فقال لي أبو طلحة‏:‏ اخرج فأهرقها فهرقتها، فقالوا‏:‏ أو قال بعضهم قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال‏:‏ فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا‏}‏ الآية وعنه قال‏:‏ بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وابي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء حتى مالت رؤوسهم من خليط بسرة تمر، فسمعت نادياً ينادي‏:‏ ألا إن الخمر حرمت، قال‏:‏ فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقرأ‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول اللّه فما ترى فيمن مات وهو يشربها‏؟‏ فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا‏}‏ الآية، فقال رجل لقتادة‏:‏ أنت سمعته من أنس بن مالك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، وقال رجل لأنس بن مالك أنت سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب ‏"‏أخرجه ابن جرير من حديث عباد بن راشد عن قتادة عن أنَس بن مالك‏"‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام‏)‏ الكوبة‏:‏ النرد أو الشطرنج، الغبيراء‏:‏ شراب مسكر يصنع من الذرة وعن أبي طعمة سمعت ابن عمر يقول‏:‏ خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المربد فخرجت معه فكنت عن يمنيه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه فكان عن يمينه، وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر‏:‏ فدعاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدية، قال ابن عمر‏:‏ وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاق فسقت، ثم قال‏:‏ ‏(‏لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها‏)‏ ‏"‏رواه الإمام أحمد‏"‏

حديث آخر عن مصعب بن سعد عن سعد قال‏:‏ أنزل في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث، قال‏:‏ وضع رجل من الأنصار طعاماً فدعانها فشربنا الخمر، قبل أن تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار‏:‏ نحن أفضل، وقالت قريش‏:‏ نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت‏:‏ ‏{‏إنما الخمر والميسر‏}‏، إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ ‏"‏رواه البيهقي وأخرجه مسلم‏"‏ حديث آخر ‏:‏ عن ابن عباس قال‏:‏ إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول‏:‏ صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول‏:‏ واللّه لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ فقال أناس من المتكلفين‏:‏ هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أُحد، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا‏}‏ ‏"‏رواه البيهقي والنسائي‏"‏إلى آخر الآية‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال ابن جرير عن أبي بريدة عن أبيه قال‏:‏ بينما نحن قعود على شارب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة وعندنا باطية لنا ونحن نشرب الخمر حلاً، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر‏}‏ إلى آخر الآيتين ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏، فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم، إلى قوله ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ قال وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها، وبقي بعض في الإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا‏:‏ انتهينا ربنا‏.‏

حديث آخر قال البخاري عن جابر قال‏:‏ صبّح صبَّح بالتشديد ولفظه في كتاب المغازي اصطبح الخمر يوم اُحُد ناس ثم قتلوا شهداء، والتصبيح الشرب في الصباح أناس غداة أُحُد فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبل تحريمها‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال أبو داود الطيالسي عن البراء بن عازب قال‏:‏ لما نزل تحريم الخمر قالوا‏:‏ كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم‏؟‏ فنزلت ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا‏}‏ الآية‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك‏:‏ أن أبا طلحة سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أيتام في حجره ورثوا خمراً، فقال‏:‏ ‏(‏أهرقها‏)‏ قال‏:‏ أفلا نجعلها خلاً‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا‏)‏

حديث آخر ‏:‏ عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك‏"‏‏.‏ وعن نافع عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة‏)‏ ‏"‏رواه الإمام مسلم‏"‏‏.‏

حديث آخر ‏:‏ عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ لا يدخل الجنة منّان، ولا عاق، ولا مدمن خمر‏)‏ ‏"‏رواه النسائي وأحمد‏"‏وقال الزهري عن عثمان بن عفان قال‏:‏ ‏(‏اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة فدخل معها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت‏:‏ إني واللّه ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر‏.‏ فسقته كأساً فقال‏:‏ زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس‏.‏ فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه‏)‏ وله شاهد في الصحيحين عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن‏)‏ قال الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏من شرب الخمر لم يرض اللّه عنه أربعين ليلة إن مات؛ مات كافراً، وإن تاب تاب اللّه عليه، وإن عاد كان حقاً على اللّه أن يسقيه من طينة الخبال‏)‏، قالت، قلت‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ وما طينة الخبال‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏صديد أهل النار‏)‏

 الآية رقم ‏(‏94 ‏:‏ 95‏)‏

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ‏.‏ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ‏}‏

قال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ليبلونكم اللّه بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم‏}‏ قال‏:‏ هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي اللّه بن عباده في إحرامهم حتى لو شاءوا لتناولوه بأيديهم فنهاهم اللّه أن يقربوه، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏تناله أيديكم‏}‏ يعني صغار الصيد وفراخه، ‏{‏ورماحكم‏}‏ يعني كباره، وقال مقاتل بن حيان‏:‏ أنزل هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون، ‏{‏ليعلم اللّه من يخافه بالغيب‏}‏ يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سراً وجهراً، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو جهره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير‏}‏ وقوله ها هنا‏:‏ ‏{‏فمن اعتدى بعد ذلك‏}‏، قال السدي وغيره‏:‏ يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم ‏{‏فله عذاب أليم‏}‏، أي لمخالفته أمر اللّه وشرعه، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم‏}‏، وهذا تحريم منه تعالى ل قتل الصيد في حال الإحرام ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول، ولو ما تولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضاً، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم‏:‏ الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور‏)‏ وقال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح‏:‏ الغراب والحدأة والفأرة والكلب العقور‏)‏ قال أيوب‏:‏ فقلت لنافع فالحية‏؟‏ قال‏:‏ الحية لا شك فيها ولا يختلف في قتلها؛ ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور ‏(‏الذئب والسبع والفهد‏)‏ لأنها أشد ضرراً منه، فالله أعلم‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها، واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال‏:‏ ‏(‏اللهم سلط عليه كلبك بالشام، فأكله السبع بالزرقاء‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم‏}‏ الذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه، وقال الزهري‏:‏ دل الكتاب على العامد وجرت السنّة على الناسي، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله‏:‏ ‏{‏ليذوق وبال أمره عفا اللّه عما سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه‏}‏ وجاءت السنّة من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضاً فإن قتل الصيد إتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم والمخطىء غير ملوم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم‏}‏ قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها، وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأ‏:‏ ‏{‏فجزاؤه مثل ما قتل من النعم‏}‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏فجزاء مثل ما قتل من النعم‏}‏ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه الجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافاً لأبي حنيفة رحمه اللّه حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثلياً أو غير مثلي‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحكم به ذوا عدل منكم‏}‏ يعني أنه يحكم بالجزاء في المثل أو بالقيمة من غير المثل عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين على قولين أحدهما ‏:‏ لا، لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه وهذا مذهب مالك، والثاني‏:‏ نعم لعموم الآية وهو مذهب الشافعي وأحمد، قال ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران‏:‏ أن أعرابياً أتى أبا بكر فقال‏:‏ قتلت صيداً وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء‏؟‏ فقال أبو بكر رضي اللّه عنه لأبي بن كعب وهو جالس عنده‏:‏ ما ترى فيها‏؟‏ قال، فقال الأعرابي‏:‏ أتيتك وأنت خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك‏؟‏ فقال أبو بكر‏:‏ وما تنكر‏؟‏ يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم‏}‏، فشاورت صاحبي، حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ وهذا إسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون والصدّيق‏"‏فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابياً جاهلاً، وإنما دواء الجهل التعليم‏.‏ وقال ابن جرير عن ابي وائل، أخبرني ابن جرير البجلي قال‏:‏ اصبت ظبياً وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال‏:‏ ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعداً، فحكما علي بتيس أعفر‏.‏

واختلفوا‏:‏  هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة، أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة‏؟‏ على قولين‏:‏ فقال الشافعي وأحمد‏:‏ يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة وجعلاه شرعاً مقرراً لا يعدل عنه وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين، وقال مالك وابو حنيفة‏:‏ بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحكم به ذوا عدل منكم‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هدياً بالغ الكعبة‏}‏ أي واصلاً إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أم متفق عليه في هذه الصورة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً‏}‏ أي إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذ المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وابي حنيفة وأحد قولي الشافعي والمشهور عن أحمد رحمهم اللّه، لظاهر ‏)‏أو بأنها للتخيير‏.‏ والقول الآخر على الترتيب‏:‏ فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوّم الصيد المقتول عند مالك وابي حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي‏:‏ يقوم مثله من النعم لو كان موجوداً، ثم يشتري به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مد منه عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يطعم كل مسكين مَدَيْن، وهو قول مجاهد‏.‏ وقال أحمد‏:‏ مد من حنطة أو مدان من غيره، فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يوماً، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي‏:‏ مكانه الحرم وهو قول عطاء، وقال مالك‏:‏ يطعم في المكان الذي اصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه، وقال أبو حنيفة‏:‏ إن شاء أطعم في الحرم وإن شاء أطعم في غيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليذوق وباب أمره‏}‏ أي أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة، ‏{‏عفا اللّه عما سلف‏}‏ أي في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع اللّه ولم يرتكب المعصية، ثم قال‏:‏ ‏{‏ومن عاد فينتقم اللّه منه‏}‏ أي ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ‏{‏فينتقم اللّه منه والله عزيز ذو انتقام‏}‏ قال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ ما ‏{‏عفا اللّه عما سلف‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ عما كان في الجاهلية‏.‏ قال، قلت‏:‏ وما ‏{‏ومن عاد فينتقم اللّه منه‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ ومن عاد في الإسلام فينتقم اللّه منه، وعليه مع ذلك الكفارة، قال، قلت‏:‏ فهل في العود من حد تعلمه‏!‏ قال‏:‏ لا، قال، قلت‏:‏ فترى حقاً على الإمام أن يعاقبه‏؟‏ قال‏:‏ لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين اللّه عز وجل، ولكن يفتدي، رواه ابن جرير‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ فينتقم اللّه منه بالكفارة؛ قاله سعيد بن جبير وعطاء، ثم الجمهور من السلف والخلف‏:‏ على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد‏.‏ وقال ابن جرير عن ابن عباس فيمن أصاب صيداً يحكم عليه ثم عاد، قال‏:‏ لا يحكم عليه، ينتقم اللّه منه وبه قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري واختار ابن جرير القول الأول قوله ‏{‏واللّه عزيز ذو انتقام‏}‏ أي‏:‏ واللّه منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الإنتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أرد عقوبته مانع لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ذو انتقام‏}‏ يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏96 ‏:‏ 99‏)‏

‏{‏ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون ‏.‏ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ‏.‏ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ‏.‏ ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ‏}‏

قال ابن عباس وسعيد بن جبير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحل لكم صيد البحر‏}‏ يعني ما يصطاد منه طريا ‏{‏وطعامه‏}‏ ما يتزود منه مليحاً يابساً، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه‏:‏ صيده ما أخذ منه حياً ‏{‏وطعامه‏}‏ ما لفظه ميتاً وهكذا روي عن أبي بكر وزيد بن ثابت وابراهيم النخعي والحسن البصري قال سفيان بن عيينة عن أبي بكر الصديق أنه قال‏:‏ ‏{‏طعامه‏}‏ كل ما فيه‏.‏ وقال ابن جرير خطب أبو بكر الناس فقال‏:‏ ‏{‏أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم‏}‏ وطعامه ما قذف‏.‏ وقال عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ طعامه ما لفظ من ميتة‏.‏ وقال ابن جرير إن عبد الرحمن بن أبي هريرة سال ابن عمر فقال‏:‏ إن البحر قد قذف حيتاناً كثيرة ميتة أفنأكلها كلها‏؟‏ فقال ‏:‏ لا تأكلوها، فلما رجع عبد اللّه إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتة هذه الآية‏:‏ ‏{‏وطعامه متاعاً لكم وللسيارة‏}‏ فقال‏:‏ اذهب، فقل له فليأكله فإنه طعامه، وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏متاعاً لكم وللسيارة‏}‏ أي منفعة وقوتاً لكم أيها المخاطبون، ‏{‏وللسيارة‏}‏ وهم جمع سيار، قال عكرمة‏:‏ لمن كان بحضرة البحر والسفر‏.‏ وقال غيره‏.‏ الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أن اصطيد منه وملح، وقد يكون زاداً للمسافرين والنائين عن البحر‏.‏ وقد استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك عن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعثاً قِبَل الساحل، فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة، وأنا فيهم، قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال‏:‏ فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال‏:‏ فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال‏:‏ ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظَّرِب الجبل الصغير فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة، فرحلت ومرت تحتهما فلم تصبهما‏.‏ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله طرق عن جابر‏.‏ وفي صحيح مسلم عن جابر‏:‏ فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتينها فإذا بدابة يقال لها العنبر، قال، قال أبو عبيدة‏:‏ ميتة، ثم قال‏:‏ لا، نحن رسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا، قال‏:‏ فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلثمائة حتى سمنا، ولقد رايتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، قال‏:‏ ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فاقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق شرائح فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال‏:‏ ‏(‏هو رزق أخرجه اللّه لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ فأرسلنا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منه فأكله‏.‏ وقال مالك سأل رجل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏)‏ ‏"‏رواه مالك وأصحاب السنن وصححه البخاري والترمذي‏"‏

وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً، وقد تقدم عن الصديق أنه قال‏:‏ طعامه كل ما فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع واباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد اللّه بن عمرو قال‏:‏ نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال‏:‏ نقيقها تسبح وقال آخرون‏:‏ يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما فقيل‏:‏ يؤكل سائر ذلك، وقيل‏:‏ لا يؤكل، وقيل‏:‏ ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى‏:‏ وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى‏:‏ لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة‏}‏ وقد ورد حديث بنحو ذلك فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه‏)‏

وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث‏:‏ ‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏)‏، وقد تقدم أيضاً‏.‏ وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أحلت لنا متتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال‏)‏ ‏"‏ورواه أحمد وابن ماجة والدار قطني والبهيقي وله شواهد‏"‏وقوله‏:‏ ‏{‏وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً‏}‏ أي في حلا إحرامكم يحرم عليكم الإصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً أثم وغرم، أو مخطئاً غرم وحرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه‏.‏ فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثان‏؟‏ فيه قولان للعلماء أحدهما ‏:‏ نعم وإليه ذهب طائفة والثاني ‏:‏ لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس‏.‏ قال أبو عمر بن عبد البر‏:‏ وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة‏:‏ عليه قيمة ما أكل وأما إذا صاد حلال صيداً فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير عن أبي هريرة‏:‏ أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم‏؟‏ قال‏:‏ فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال‏:‏ لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك وقال آخرون‏:‏ لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً لعموم هذه الآية الكريمة‏.‏

روي عن ابن عباس‏:‏ أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال‏:‏ هي مبهمة، يعني قوله‏:‏ ‏{‏وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً‏}‏ وعن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال وبهذا قال طاووس وجابر بن زيد وإليه ذهب الثوري وقد روي أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال‏.‏ وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور‏:‏ إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودّان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال‏:‏ ‏(‏إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم‏)‏ ‏"‏الحديث مروي في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة‏"‏قالوا‏:‏ فوجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالإصطاد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث أبوي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين، فتوفقوا في أكله، ثم سألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها‏)‏‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏(‏فكلوا‏)‏، وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏100 ‏:‏ 102‏)‏

‏{‏ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ‏.‏ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ‏.‏ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ‏}

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد ‏{‏لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك‏}‏ أي يا أيها الإنسان ‏{‏كثرة الخبيث‏}‏ ‏"‏أخرج الواحدي‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تحريم الخمر، فقال أعرابي‏:‏ إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي فاعتقت منها مالاً، فهل ينفع ذلك المال إن عملت بطاعة اللّه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا يقبل إلا الطيب‏)‏، فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏قل لا يستوي‏}‏ الآية كما في ‏(‏اللباب‏)‏ يعني أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏ما قل وكفى خير مما كثر وألهى‏)‏ وقال أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة‏:‏ إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال‏:‏ يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال النبي صلى الله عليه سلم ‏:‏‏(‏قليل تؤدي شكره خير من كثير لاتطيقه‏)‏،‏{‏فاتقوا الله يا أولي الألباب‏}‏ أي يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة وتجنبوا الحرام ودعوه واقنعوا بالحلال واكتفوا به ‏{‏لعلكم تفلحون‏}‏ أي في الدنيا والآخرة‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏}‏ هذا تأديب من اللّه تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسالوه عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر‏)‏، وقال البخاري عن أنس بن مالك قال‏:‏ خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها‏:‏ ‏(‏لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً‏)‏ قال فغطى أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال رجل‏:‏ من أبي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فلان‏)‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏لا تسألوا عن أشياء‏}‏، وعن أبي هريرة قال‏:‏ خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل، فقال‏:‏ أين أبي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏في النار‏)‏، فقام آخر فقال‏:‏ من أبي‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏أبوك حذافة‏)‏، فقام عمر بن الخطاب فقال‏:‏ رضينا باللّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماما، إنّا يا رسول اللّه حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم من آباؤنا‏.‏ قال‏:‏ فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏}‏ الآية، إسناده جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم السدي‏.‏ قال البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال‏:‏ كان قوم يسألون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل‏:‏ من أبي‏؟‏ ويقول الرجل تضل ناقته‏:‏ أين ناقتي‏؟‏ فأنزل اللّه فيهم هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏}‏ حتى فرغ من الآية كلها‏.‏ وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالاولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏:‏ ‏(‏لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر‏)‏، الحديث‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم‏}‏ أي وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تبين لكم، وذلك على اللّه يسير، ثم قال‏:‏ ‏{‏عفا اللّه عنها‏}‏ أي عما كان منكم قبل ذلك ‏{‏واللّه غفور حليم‏}‏ وقيل المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم‏}‏ أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث‏:‏ ‏(‏أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته‏)‏، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها، ‏{‏عفا اللّه عنها‏}‏ أي ما لم يذكره في كتابه، فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها‏.‏ وفي الصحيح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ذروني وما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم‏)‏، وفي الحديث الصحيح أيضاً‏:‏ ‏(‏إن اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها‏)‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين‏}‏ أي قد سأل هذه المسائل المنهى عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، أي بينت لهم فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد‏.‏ وقال العوفي عن ابن عباس في الآية‏:‏ إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أذّن في الناس فقال‏:‏ ‏(‏يا قوم كتب عليكم الحج‏)‏ فقام رجل من بني أسد فقال‏:‏ يا رسول اللّه أفي كل عام‏؟‏ فأغضب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً فقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لو قلت‏:‏ نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذاً لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه‏)‏، فأنزل اللّه هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى اللّه عن ذلك، وقال‏:‏ لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين‏}‏ روي عن عكرمة رحمه اللّه‏:‏ أن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهاراً وأن يجعل لهم الصفا ذهباً وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون‏}‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند اللّه وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون‏}‏‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏103 ‏:‏ 104‏)‏">

الآية رقم ‏(‏103 ‏:‏ 104‏)‏

‏{‏ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ‏.‏ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ‏}

قال البخاري عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال‏:‏  البحيرة التي يمنع درُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، و السائبة‏:‏ كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء‏.‏ قال، وقال أبو هريرة، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبَه أمعاءه في النار كان أول من سيَّب السوائب‏)‏ و الوصيلة‏:‏ الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر؛ و الحام‏:‏ فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي‏.‏ ثم قال البخاري عن الزهري عن عروة، أن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه وهو أول من سيَّب السوائب‏)‏ وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏(‏إن أول من سيَّب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو ابن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار‏)‏ ‏"‏تفرد به أحمد من هذا الوجه‏"‏وقال عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إني لأعرف أول من سيَّب السوائب، وأول من غيَّر دين إبراهيم عليه السلام‏)‏ قالوا‏:‏ ومن هو يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر‏)‏، قالوا‏:‏ ومن هو يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما، بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويطآنه فأخفافهما‏)‏، فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غيَّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره اللّه تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ إلى آخر الآيات في ذلك‏.‏

فأما البحيرة فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما‏:‏ هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا‏:‏ هذه بحيرة وذكر السدي وغيره قريباً من هذا، وأما السائبة‏:‏ فقال مجاهد‏:‏ هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وقال محمد بن إسحاق‏:‏ السائبة‏:‏ هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر سيبت فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف‏.‏ وقال أبو روق‏:‏ السائبة، كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها‏.‏ وقال السدي‏:‏ كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عوفي من مرض أو كثر ماله سيَّب شيئاً من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا وأما الوصيلة، فقال ابن عباس‏:‏ هي الشاة إذا نتجت سبعة ابطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏:‏ الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميته اشتركوا فيها‏.‏ وأما الحامي، فقال ابن عباس‏:‏ كان الرجل إذا لقح فحله عشراً قيل حام فاتركوه، وكذا قال قتادة، وروى عنه أن الحام‏:‏ الفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه وقال ابن وهب، سمعت مالكاً يقول‏:‏ أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه‏.‏ وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن الذين كفروا يفترون على اللّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون‏}‏ أي ما شرع اللّه هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه شرعاً لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل بل هو وبال عليهم، ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا‏}‏ أي إذا دعوا إلى دين اللّه وشرعه وما أوجبه وتكر ما حرمه قالوا‏:‏ يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون‏}‏ أي لا يفهمون حقاً ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونها والحالة هذه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً‏؟‏